ابن الجوزي

516

كتاب ذم الهوى

قبري أيام حياتي . قال : ثم لزمت الصلاة ، فكانت لا تهتدي الليل والنهار من الصلاة . فكانوا يسمعونها ، فكانت تبكي بكاء شديدا ، فقيل لها في ذلك . فقالت : إني واللّه قد غلب على قلبي ذكره حتى لا يفارقني ، وإني لأذكر ذنوبي فأبكي على تفريطي ، ثم أذكره فأبكي عليه ، فيهيج من قلبي شجو لا يشبهه شجو . وإني أسأل الذي حرمني قربه في الدنيا أن ينسيني ذكره ، وأن يجمع بيني وبينه في داره . قال : ومرضت مرضا شديدا ، وبليت في بدنها بلاء عظيما ، قال : فكان المعالج إذا بدأ بمعالجتها حادثها ، فيقول : يا فلانة ما هذا الجزع الذي تجزعين ، فو اللّه ما رأيت رجلا هو أهيأ ولا أحسن هديا ولا أصبر على بلاء إذا نزل به ، من فتى في جيراني يقال له فلان ، يعني صاحبها . فتسكت ، ثم تقول هي : حدّثني ، وهو يقطع من لحمها ، وكأنها لما غلب على قلبها من المحبة لذكره لا تحسّ بما يصنع بها . فإذا كفّ عن ذكره توجّعت وجزعت ، فما زالت في حالها تلك حتى ماتت . فلقد رأيته في جنازتها مغطى الرأس حتى دفنها ، وكنت كثيرا إذا مررت بالمقابر ، أراه عند قبرها . أخبرنا أبو المعمر الأنصاري ، قال : أنبأنا صاعد بن سيّار ، قال : أنبأنا أحمد بن أبي سهل الغورجي ، قال : أنبأنا إسحاق بن إبراهيم الحافظ ، قال : أنبأنا أحمد بن محمد بن العباس ، قال : أنبأنا عبد اللّه بن موسى السلامي ، قال : حدثنا محمد بن يعفور ، قال : حدثنا العلاء بن منصور ، قال : حدثنا الأصمعي ، قال : بتّ عند بعض الأعراب في البادية ، وله ولد مضنى على فراشه . فقال لي أبوه : ابني هذا قد نزل به ما ترى من العشق . فدنوت إليه فقال : أنشدني شيئا . فقلت : لست بشاعر . فقال : لولا أنك ضيف لسألتك أن تحدثني ، ولكن من حقّ